الشيخ محمد الصادقي
267
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الكلفة فيها لعبئها في نفس الذات ، والقتال هي بالطبع الأولى لو خلي وطبعه هي أمر إمر لا يلائم الفطرة والعقلية الإنسانية ، لأن فيها هدر الأنفس والأموال ، اللهم إلّا لأمر أهم من الحياة وهو أمر اللّه الذي يحمل كل خير . والإسلام يحسب حساب الفطرة الإنسانية ، فلا ينكر كره هذه الفريضة وأمثالها ، ولا يماري في الفطرة أو يصادمها ، ولكنه يعالج الأمر الإمر من ناحية أخرى تلائم الفطرة ، ان يسلط عليها نورا خفية عنها ، وهي الخير المخبوء عنها ، المجهول لديها ، فعندئذ يفتح للفطرة نافذة جديدة جادة تطل منها على ذلك الأمر ، نافذة تهب منها ريح رخية وروح ندية ، تهون عندها كل كره ومشقة ، وينقلب أمرها إلى حبيبة مرضية تتهافت إليها جموع المؤمنين . ومن ذلك القتال حيث يغلّب خيرها الخفي على كرهها الجلي فيصبح أمرها بأمر اللّه ووعده فطرة ثانية تنسي الأولى ، فتراه يتفانى متسابقا في جبهات القتال ضد الأعداء الألداء . فلما تعرّف القتال بإحدى الحسينين ، حسنى قتل العدو أو الشهادة ، وانهما أحسن من القعود عن النضال ، فالفطرة المؤمنة تعشقها بطبيعة الحال ، مهما كان المؤمنون درجات في ذلك المجال ، ولكي تنضبط الفطرة الإنسانية بضباط الإيمان ورباطه تأتي هذه الضابطة نبراسا ينير عليها دروب الفضائل ، ومتراسا يكرس به طاقاته للنضال في خضم المعارك بكل ألوانها وقضاياها ورزاياها : « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » وليست هذه الضابطة تجهيلا للفطرة في أصل الانجذاب إلى كل خير والابتعاد عن كل شرّ ، بل هي تجهيل بالنسبة لمصاديق عدة للخير والشر ، حيث الإنسان أيا كان لا يحيط علما بكل خير وكل شر ، لا بفطرته ولا عقليته ولا طاقات أخرى فردية وجماعية ، فلا بد إذا من نبراس من